كيف بنت دبي اقتصاداً عقارياً مرناً يتمتع بسيولة عالية

أحد الأسئلة التي يطرحها علي المستثمرون غالباً هو سؤال بسيط ولكنه جوهري: كيف نجحت دبي في تقليل اعتمادها على النفط؟

الإجابة لا تكمن في سياسة واحدة أو مشروع بعينه، بل هي في “عقلية” القيادة. فخلال العقود القليلة الماضية، قدمت دبي ما يمكنني وصفه بصدق بأنه نموذج رائد (ماستركلاس) في التنويع الاقتصادي. واليوم، تساهم النفط بنسبة تقل عن 1% في الناتج المحلي الإجمالي لدبي، وهي إحصائية لا تزال تثير دهشة العديد من المستثمرين الجدد. ولكن الأهم من ذلك هو الكيفية التي تم بها هذا التحول.

لم تتخلَّ دبي عن النفط، بل استخدمته بحكمة.

بدلاً من التعامل مع عائدات النفط كمصدر دائم للاعتماد الكلي، استثمرتها دبي كرأس مال تأسيسي. فقد تمت إعادة استثمار تلك العائدات المبكرة بشكل استراتيجي في البنية التحتية، والتخطيط الحضري، والأصول العقارية التي من شأنها الاستمرار في توليد القيمة لفترات طويلة بعد تراجع إنتاج النفط.

إن الموانئ ذات المستوى العالمي مثل ميناء جبل علي، ومراكز الطيران العالمية بما في ذلك مطار دبي الدولي ومطار آل مكتوم الدولي، والمناطق الحرة الموجهة للأعمال مثل “جافزا” ومركز دبي المالي العالمي (DIFC)، والمعالم الأيقونية مثل برج خليفة وبرج العرب وصولاً إلى نخلة جميرا، لم تُبنَ لمجرد تصدر العناوين الإخبارية فحسب؛ بل شُيدت لجذب الأفراد والشركات ورؤوس الأموال، وضمان استمرار تواجدهم هنا.

لقد أعاد ذلك القرار تشكيل كل ما تلاه.

خيارات السياسة التي غيرت ثقة المستثمرين

إن ما سرّع حقاً من عملية التحول في دبي هو السياسات المتبعة؛ فلم يكن التملك الحر للمستثمرين الأجانب، وخيارات الإقامة طويلة الأمد مثل “التأشيرة الذهبية”، وحق التملك الأجنبي الكامل للشركات بنسبة 100% مجرد حوافز فحسب، بل كانت رسائل واضحة للعالم بأن دبي جادة بشأن الالتزام طويل الأمد، وليست مجرد وجهة لتدفقات رؤوس الأموال قصيرة الأجل.

بصفتي مستشاراً، لمست مدى القوة التي تمنحها الشفافية والوضوح؛ فعندما تكون القواعد واضحة ومتسقة، تأتي الثقة تباعاً، وهذه الثقة هي المحرك الأساسي للنمو المستدام.

البنية التحتية قبل تصدر العناوين

درس آخر أتقنته دبي: البنية التحتية أولاً، والمضاربة لاحقاً.

الاستثمارات الضخمة في ميناء جبل علي، ومراكز الطيران العالمية، وأطر التخطيط طويلة الأمد مثل “مخطط دبي الحضري 2040″، شكلت جميعها الركيزة الأساسية للطلب الحقيقي. فلم تكن قطاعات السياحة والتجارة والخدمات اللوجستية والتمويل هي التي نمت حول العقارات، بل إن العقارات هي التي نمت بفضل توسع هذه القطاعات.

بُنيت المنازل والمكاتب والمجمعات السكنية لدعم اقتصاد حيوي ومستدام، وليس فقط لخدمة سوق بيع وشراء.

هناك اعتقاد خاطئ شائع بأن القوانين والتشريعات تبطئ حركة الأسواق، لكن دبي أثبتت عكس ذلك تماماً. فقواعد الرهن العقاري الأكثر صرامة، وعمليات المعاملات الأكثر وضوحاً، وتعزيز الشفافية من خلال دائرة الأراضي والأملاك في دبي، لم تؤدِ إلى إضعاف اهتمام المستثمرين، بل ساهمت في صقله وتطويره. ونتيجة لذلك، تراجعت حدة “الضجيج” الناجم عن المضاربات، بينما ارتفعت وتيرة تدفق رؤوس الأموال الجادة وطويلة الأمد.

هذا النضج هو أحد الأسباب التي تجعل دبي تُعتبر الآن وجهة عقارية عالمية مستقرة، بدلاً من كونها سوقاً ناشئة متقلبة.

رؤية دبي للسنوات القادمة

يرتكز نمو دبي المستقبلي على مخططات توجيهية محددة بوضوح، وليس على مجرد افتراضات.

يحدد “مخطط دبي الحضري 2040” ملامح تطور المدينة على مدار العقدين القادمين، مع التركيز على توسيع المجمعات السكنية المستدامة، وزيادة المساحات الخضراء والمفتوحة، وتعزيز مرونة التنقل والربط بين المناطق، بالإضافة إلى تحسين جودة الحياة في جميع أحياء المدينة.

الهدف بسيط ولكنه قوي: استيعاب النمو السكاني مع الحفاظ على جودة الحياة وقيمة الأصول على المدى الطويل.

بالتوازي مع ذلك، تهدف أجندة دبي الاقتصادية D33 إلى مضاعفة حجم اقتصاد دبي بحلول عام 2033، مما يرسخ مكانة المدينة كواحدة من أفضل مراكز الأعمال العالمية. وتدعم هذه الأجندة الطلب العقاري بشكل مباشر من خلال خلق فرص العمل، وتوسيع نطاق الأعمال، وجذب الكفاءات والمواهب الدولية.

لماذا تكتسب السيولة أهمية أكبر من أي وقت مضى؟

في مجال العقارات، غالباً ما يتحدث الناس عن ارتفاع الأسعار وزيادة قيمتها، لكن القليل منهم فقط يتحدث عن “السيولة”، بينما يضعها المستثمرون ذوو الخبرة دائماً في مقدمة أولوياتهم.

السيولة لا تعني البيع السريع بأي ثمن، بل تعني القدرة على التخارج بشكل عادل، وفعّال، وضمن معطيات يمكن التنبؤ بها.

إن سوق العقارات في دبي اليوم يتمتع بسيولة عالية جداً وفقاً للمعايير العالمية؛ فالأصول ذات الأسعار العادلة في المواقع المتميزة غالباً ما يتم تداولها في غضون 30 إلى 60 يوماً، مدعومة بسوق ثانوي قوي ونسبة عالية من المشترين نقداً، والتي بلغت حوالي 54% في النصف الثاني من عام 2025.

تمنح هذه السيولة المستثمرين مرونة عالية؛ فهي تتيح تدوير رؤوس الأموال، وتقلل من المخاوف، وتحافظ على ديناميكية السوق بدلاً من ركوده.

ما الذي يجنيه المستثمرون العالميون من عقارات دبي؟

بالنسبة للمستثمرين الدوليين، تقدم دبي مزيجاً نادراً لا تستطيع إلا قلة من المدن العالمية مضاهاة تفاصيله:

ميزة العملة: يرتبط الدرهم الإماراتي بالدولار الأمريكي، مما يوفر استقراراً وحماية ضد تقلبات العملة؛ وهو أمر بالغ الأهمية للمستثمرين القادمين من أسواق تعاني من عدم الاستقرار المالي.

الكفاءة الضريبية: لا توجد ضرائب عقارية سنوية، ولا ضرائب على أرباح رأس المال عند بيع العقار، ولا ضرائب دخل على عوائد الإيجار. هذا الأمر يحسن بشكل مباشر صافي الأرباح مقارنة بالعديد من المدن العالمية الكبرى.

قوة الطلب الإيجاري: يؤدي النمو السكاني في دبي، وتزايد القوى العاملة من المغتربين، والنشاط السياحي القائم على الإقامات قصيرة الأمد، إلى خلق طلب مستمر على الإيجارات في كلا القطاعين؛ الإيجار طويل الأمد والقصير الأمد.

أمن الملكية: تساهم إجراءات تسجيل الأراضي الواضحة، وسندات الملكية الرقمية، وأنظمة حسابات الضمان (Escrow) الخاضعة للرقابة، في حماية رؤوس أموال المستثمرين طوال عملية الشراء.

سهولة الوصول العالمي: يربط موقع دبي الاستراتيجي بين الشرق والغرب. وبالنسبة للمستثمرين الذين يديرون محافظ استثمارية عبر مناطق جغرافية مختلفة، تلعب سهولة الوصول ويسر السفر دوراً حقيقياً في اتخاذ قرارات إدارة الأصول.

شفافية السوق: تساهم بيانات المعاملات اللحظية، والوسطاء العقاريون المعتمدون، والأنظمة المدعومة حكومياً في الحد من مشكلة “عدم تماثل المعلومات” (Information Asymmetry)، وهو أمر لا تزال تعاني منه العديد من الأسواق العالمية.

تُعد دبي مدعومة بالنمو السكاني، والتنقل العالمي، والسياحة، وانتقال الشركات، والرؤية الحكومية طويلة الأمد. لقد أصبح العقار فئة أصول قائمة بذاتها—متجذرة في الركائز الأساسية، وليس مجرد سلعة للمضاربة.

بالنسبة لي، هذا هو ما يجعل دبي فريدة اليوم؛ فهي ليست مجرد سوق للنمو، بل هي سوق استراتيجي، حيث القرارات المدروسة، والتوقيت السليم، والتفكير طويل الأمد هي العوامل التي تصنع الفارق الحقيقي.

نجاح دبي لم يأتِ من ملاحقة الصيحات العابرة، بل نتج عن تصميم اقتصاد يمتلك القدرة على التطور. ومن خلال تحويل الثروات النفطية المبكرة إلى بنية تحتية، وتشريعات، وأصول حقيقية، أرست دبي أسساً متينة تستمر اليوم في دعم الفرص—بهدوء، واستمرارية، وثقة.

بالنسبة للمستثمرين الذين يدركون أبعاد هذه الرحلة، لا تعد دبي مجرد مكان للاستثمار؛ بل هي المكان الذي تعمل فيه رؤوس الأموال بذكاء أكبر.

المراجع والمصادر

مركز دبي للإحصاء – بيانات الناتج المحلي الإجمالي ومساهمة القطاعات الاقتصادية. دائرة الأراضي والأملاك في دبي (DLD) – شفافية السوق، بيانات المعاملات، والأطر التنظيمية. بوابة حكومة دولة الإمارات العربية المتحدة – قوانين التملك الأجنبي وبرامج التأشيرة الذهبية. مخطط دبي الحضري 2040 – استراتيجية التطوير العمراني والنمو السكاني. تقارير السوق العقاري (CBRE، Knight Frank، JLL) – السيولة، الجداول الزمنية للمعاملات، واتجاهات المشترين نقداً.